ليست هجرة الأدمغة والعقول الإسلامية والعربية شأناً جديداً وقد تضاربت الآراء حولها من حيث أن هذه الأدمغة لو بقيت في ظل الحكومات الديكتاتورية في بلادها لفقدت قدرتها على النمو والإبداع ولضاعت في غياب النسيان وعدم التقدير، لكنها في الأخير اتفقت على خطورتها وأصبحت هذه الظاهرة تشكل هاجساً مخيفاً للحكومات والمنظمات على حد سواء. وقدّرت التقارير أن تلك الهجرة التي تكاد لا تتوقف تتسبب في خسائر مالية تتجاوز (200) مليار دولار.
وتُعتبر ظاهرة هجرة الكفائات والعلماء من الدول العربية إلى الخارج، أحد أهم العوامل المؤثرة على تطور الاقتصاد القومي، وعلى التركيب الهيكلي للسكان والقوى البشري. وتكتسب هذه الظاهرة أهمية متزايدة في ظل تزايد أعداد المهاجرين، خصوصاً من الكوادر العلمية المتخصصة، وتتمثل أهم الآثار السلبية في حرمان هذه الدول الاستفادة من خبرات ومؤهلات هذه الكفاءات في مجال التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وتعاني مصر وغيرها من الدول العربية، من آثارها هذه الظاهرة، حيث يقدّر الجهاز المركزي للتعبئة العامة في الإحصاء المصريين المتميزين من العقول والكفايات التي هاجرت إلى الخارج بـ(824) ألفاً، وفقاً لآخر إحصاء صدر في العام (2003) من بينهم نحو (2500) عالم. وتشير الإحصاءات إلى أن مصر قدّمت نحو (60%) من العلماء العرب والمهندسين إلى الولايات المتحدة الأمريكية، وأن مساهمة كل من العراق و لبنان بلغت (15%) بينما كان نصيب كل من سوريا والأردن وفلسطين نحو (5%).
وتشير إحصاءات جامعة الدول العربية ومنظمة الدول العربية وبعض المنظمات المهتمة بهذه الظاهرة، إلى أن الوطن العربي يساهم بـ(31%) من هجرة الكفايات من الدول النامية، وأن (50%) من الأطباء و(23%) من المهندسين و(15%) من العلماء من مجموع الكفايات العربية يهاجرون متوجهين إلى أوروبا والولايات المتحدة وكندا بوجه خاص، وأن (54%) من الطلاب العرب الذين يدرسون في الخارج لا يعودون إلى بلدانهم، ويشكل الأطباء العرب في بريطانيا حوالي 34%) من مجموع الأطباء العاملين فيها، أو أن ثلاث دول غنية هي أمريكا وكندا وبريطانيا تتصيد نحو (75%) من المهاجرين العرب.
لكن اللافت أن الخسائر التي منيت بها البلدان العربية من جراء هجرة الأدمغة العربية (11) مليار دولار في عقد السبعينيات، وأن الدول الغربية هي الرابح الأكبر من (450) ألفاً من العقول المهاجرة، وأن الخسائر الاجتماعية نتيجة هذه الظاهرة تقدر بـ(200) مليار دولار، وفي حين تخسر الدول العربية وفي مقدمتها مصر من ظاهرة هجرة العقول، فإن إسرائيل تستفيد من هذه الظاهرة بفعل الهجرة العالية التأهيل الآتية من شرق أوروبا وروسيا وبعض الدول الغربية.
وتحظى الولايات المتحدة بالنصيب الأكبر من الكفاية والعقول العربية بنسبة (39%) وتليها كندا (13.3%) ثم أسبانيا بنسبة (1.5%). وتتضمن هذه الأرقام العديد من الفئات في مهن وتخصصات مختلفة، وتتجلى الخطورة في أن عدداً من هؤلاء يعملون في أهم التخصصات الحرجة والاستراتيجية مثل الجراحات الدقيقة والطب النووي والعلاج بالإشعاع، والهندسة الإلكترونية والميكروإلكترونية، والهندسة النووية وعلوم الليزر وغيرها.. الثابت أنه لو عملت الدول العربية على احتضان هذه الكفاءات وتوفير المناخ العملي والعلمي لها، لاستطاع العرب بذلك ليس توفير مبالغ مالية طائلة، بل لاستطاع العرب مع هذه العقول أن يحتلوا موقعهم إلى جانب الدول المتقدمة.
لربما يخال للمرء أن الحديث في وعن ظاهرة هجرة الأدمغة غدا متقادمة قياسا إلى الحجم الضخم من الدراسات التي تناولتها, ومتجاوزة احتكاما إلى واقع انفتاح الأسواق وتداخل الاقتصادات وتزايد مد سريان السلع والخدمات والخبرات والكفاءات بين الدول وعبر الحدود دونما قيود كبرى في الحل والترحال.
يبدو بالتالي, بالاعتقاد الأول كما بالثاني, ولكأن معاودة الحديث في الظاهرة إياها إنما هو ضرب من ضروب التكرار العقيم والاجترار الذي لا فائدة منه تذكر.
ليس بمستطاعنا مجاراة الاعتقادين والتسليم بأن الإشكالية أضحت متقادمة ومتجاوزة على الأقل لسببين إثنين:
+ الأول ويكمن في الخلفية التي على أساسها تسنى للأسواق أن تنفتح, للاقتصادات أن تتداخل ولظاهرة العولمة أن تتجذر وتتوسع.
والقصد هنا إنما القول بأن المنافسة والتنافسية في ظل هذا الواقع الجديد لم تعد مبنية على اليد العاملة الكثيفة الوفرة والقوى اليدوية المتوفرة ولا على موارد الأرض الفوقية والتي يختزنها باطنه
























